هل الذكاء الاصطناعي قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية في بيئة تنافسية ؟
تقدم نظرية المباريات إطارا مهما لدراسة آلية اتخاذ القرار في بيئة تنافسية، ولها تطبيقات عديدة في الاقتصاد والإدارة ومجالات أخرى. أحد الأمثلة الكلاسيكية في نظرية المباريات ما يسمى معضلة السجين Prisoner's Dilemma PD
معضلة السجين
افترض أن شخصين: تامر وناصر، تم القبض عليهما للاشتباه بتورطهما في جريمة معينة، لكن لا يوجد دليل كافٍ للإدانة سوى شهادة أحدهما ضد الآخر . افترض أن لديهما ثلاثة خيارات:
أولا: إذا خان أحدهما الآخر (أبلغ عنه) وسكت الآخر => الخائن يخرج، والآخر يسجن 10 سنوات.
ثانيا: إذا خان كلاهما => يسجن كل منهما 5 سنوات.
ثالثا: إذا سكت كلاهما (تعاونا) => يسجن كل منهما سنة واحدة فقط.
وتبقى المعضلة قائمة لأن كلا منهما لا يدري ما موقف الآخر
معضلة السجين المتكررة Iterated Prisoner's Dilemma – IPD
في معضلة السجين المتكررة IPD، يتكرر هذا الموقف مرات متتالية، (وهذا كثير في ممارسات المنافسة في الأسواق) أي أنه توجد مواجهات متتالية وكل قرار له تأثير تراكمي لاحق وهو ما يُعرف بـ "ظل المستقبل shadow of the future". وهنا لدينا حالتان:
الحالة الأولى: ظل المستقبل طويل (احتمال الاستمرار مرتفع)
إذا كان تامر وناصر تاجرين في السوق فاللعبة ستُعاد كثيرًا ، إذًا، إن خان تامر اليوم (بتخفيض مفاجئ في السعر مثلا) ، فربما ينتقم منه ناصر غدًا، بالتالي، يتعاون تامر كي يبني علاقة مستدامة ويتجنب التصعيد. والنتيجة؟ يصبح التعاون الاستراتيجية الأفضل، لتجنب خسائر متراكمة.
الحالة الثانية: ظل المستقبل قصير (احتمال الانتهاء مرتفع)
إذا كان ناصر يتوقع الخروج من السوق أي أن هذه آخر جولة أو من آخر الجولات، إذًا، لا يوجد وقت لمعاقبة من يخون، قد يُقرر ناصر أن يخون كي يربح مكسبًا فوريًا دون خوف من العواقب. النتيجة؟ الخيانة تصبح مغرية عند غياب المستقبل، أي عندما لا يُتوقع رد فعل لاحق.
تطبيق النموذج على الذكاء الاصطناعي
في تجربة بحثية، أجريت محاكاة مشابهة لمعضلة السجين المتكررة IPD على عدد من نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث وُضعت نماذج الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGemini وClaude في بيئة تنافسية. وكل نموذج يتخذ قرارات الخيانة أو التعاون مع النماذج أخرى، في جولات متتالية.
نتائج الدراسة
أظهرت النتائج أن هذه النماذج اللغوية تنافسية للغاية، وتمكنت من النجاة باستمرار في هذه البيئات المعقدة. كما تبين نتائج التجربة أن النماذج تملك "بصمات استراتيجية" مميزة على النحو التالي:
نماذج Gemini (Google) اتسمت بالقسوة، إذ استغلت الخصوم المتعاونين وردّت بشدة على من يخون.
نماذج ChatGPT (OpenAI) كانت مثالية متعاونة للغاية، وهي سمة أثبتت أنها كارثية في بيئات عدائية.
أما نموذج Claude (Anthropic) فهو تصالحي، مستعد لإعادة التعاون حتى بعد التعرض للخيانة.
الخلاصة
هذه التجربة تظهر كيف أن الذكاء الاصطناعي لا يختار فقط بناءً على الحفظ أو الأنماط، بل يُفكر استراتيجيًا !!! فهو يقيم نية الخصم، وأفق الزمن، ويعدل سلوكه تبعًا لذلك. بل كشفت التجربة عن "بصمات نفسية" رقمية، وكأن لكل نموذج شخصية واتجاه تفكير خاص !!!
كلمة أخيرة
هل سنشهد وكلاء الذكاء الاصطناعي يتخذون قرارات مالية أو استراتيجية في بيئات غير مؤكدة بتفويض كامل من متخذي القرار البشريين وأكثر من هذا هل سيختار متخذ القرار النموذج الذي يعبر عن شخصيته سواء كان تصالحيا أو مثاليا أو قاسيا !!!
الأيام القادمة حبلى بالكثير والله المستعان
شوهدت 0 مرة
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذه المقالة بعد. كن أول من يشارك برأيه.